top of page

محكمة مقاطعة لاهاي الهولندية تحكم ١٢ عاماً من السجن على عضو ميليشيا لواء القدس بتهمة ارتكاب جرائم حرب في سوريا



ليندا عثمان، محامية و ناشطة حقوق الإنسان.






في الثاني والعشرين من يناير لعام 2024، شهدت مدينة لاهاي الهولندية صدور حكم تاريخي لأنها المرة الأولى التي تدين فيها محكمة هولندية أحد المتواطئين مع نظام الأسد في قضية اتسمت بأهميتها القانونية والإنسانية. المحكمة قضت بإدانة مصطفى أ.، الذي يبلغ من العمر 35 عاماً، وحكمت عليه بالسجن لمدة اثني عشر عاماً لمشاركته في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ارتكبت في سوريا خلال الفترة من 2011 إلى 2017. وتميزت القضية بأنها تناولت الأعمال الإجرامية لميليشيا لواء القدس، التي كانت من أبرز حلفاء النظام السوري، وساهمت في قمع المظاهرات واعتقال المدنيين، وذلك في إطار الهجمات المستمرة والقمع الذي تعرض له السكان المدنيون في سوريا.


مصطفى أ. كان يشغل منصباً قيادياً داخل ميليشيا لواء القدس حتى أواخر عام 2017. ولقد كان معروفاً بتوجيه وحدات القتال وشوهد في العديد من الصور إلى جانب قيادات الميليشيا العليا، وكان واحداً من خمسة قادة في لواء القدس تلقوا تكريماً عسكرياً رفيع المستوى من روسيا في عام 2015. وثبت تورطه في عمليات الاعتقال العنيف لمدنيين وتسليمهم لجهاز المخابرات الجوية السورية، حيث تعرضوا للتعذيب.


بينت المحكمة أن النزاع المسلح في سوريا لم يكن مجرد صراع داخلي، بل كان يحمل أبعاداً دولية، متجسدة في دور ميليشيا لواء القدس التي كانت واحدة من أهم حلفاء النظام السوري. الميليشيا، وفقاً لما أوردته المحكمة، شاركت في قمع المظاهرات واعتقال المعارضين والمدنيين، مساهمة بذلك في العدوان المستمر والقمع في سوريا ضد السكان المدنيين. هذه الأعمال، التي وصفتها المحكمة بأنها كانت واسعة النطاق ومنظمة، صُنفت على أنها جرائم ضد الإنسانية. وبذلك صنفت المحكمة ميليشيا "لواء القدس" بقرارها كمنظمة إجرامية.


وقد وجهت المحكمة لمصطفى أ. تهمة الاعتقال غير القانوني والتواطؤ في التعذيب لدوره في اعتقال وتعذيب مدني في مخيم النيرب للاجئين بالقرب من حلب عام 2013. وأدرج القضاة في حكمهم تفاصيل مروعة عن التعذيب الذي تعرض له الضحية، حيث تم احتجازه وتعذيبه بوحشية على يد مديرية المخابرات الجوية السوري.


 وقد استند الحكم إلى مبادئ الولاية القضائية العالمية، مما يعني أن المحكمة الهولندية رأت في نفسها الحق في محاكمة الجرائم التي ارتكبت خارج حدودها الوطنية، استنادًا إلى طبيعتها الدولية. يعكس هذا الموقف التزام هولندا بمحاربة الإفلات من العقاب على الجرائم الدولية والدفاع عن العدالة وحقوق الإنسان. كما ركز الحكم على مبدأ الشرعية في القانون الجنائي كما ورد في المادة الأولى من القانون الجنائي الهولندي، والذي يتضمن متطلب التنبؤ بأي سلوك يعتبر معاقب عليه القانون. وتم تطبيق هذا المبدأ بشكل واضح في القضية، حيث أكدت المحكمة أن المتهم كان يمكنه أن يتوقع بشكل معقول، في وقت ارتكاب الجرائم، أن أفعاله كانت تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون. وذلك استنادًا إلى مشاركته في تنظيم لواء القدس وعلمه بالجرائم التي خططت وارتكبت من قبل هذا التنظيم كانت تشكل في حد ذاتها مسؤولية جنائية.


من المهم أن نشير إلى أن الحكم شدد على أهمية تطبيق المواد القانونية الدولية، معلناً أن جرائم مصطفى أ. يجب أن تُعامل باعتبارها جرائم ضد الإنسانية وليست جرائم عادية. وهذا يبرز التزام المحكمة بتطبيق القانون الدولي وتأكيدها على أهمية محاسبة المسؤولين عن الجرائم الدولية.


يأتي هذا الحكم في وقت يزداد فيه الاهتمام الدولي بمسألة العدالة والمساءلة في سوريا وهي  مسرحًا لواحدة من أكثر النزاعات دموية وتعقيدًا في العصر الحديث، وقد شهدت ارتكاب جرائم جماعية عديدة. في هذا السياق، يمثل الحكم الصادر ضد مصطفى أ. خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة للضحايا وتأكيدًا على أهمية المساءلة القانونية. يبرز الحكم الموقف الدولي الذي يرفض الإفلات من العقاب لمرتكبي الجرائم الدولية، وتؤكد على أن العدالة يمكن أن تتحقق حتى عندما تكون الجرائم قد ارتكبت خارج الحدود الوطنية.


 وبالإضافة إلى ذلك، تشير القضية إلى أن الولاية القضائية العالمية يمكن أن تكون أداة فعالة في تحقيق العدالة للضحايا وضمان عدم وجود ملاذ آمن للمجرمين. يمثل الحكم الصادر في قضية مصطفى أ. دلالة على أهمية التعاون الدولي والجهود المبذولة في سبيل محاربة الإفلات من العقاب وتحقيق العدالة لضحايا الجرائم الدولية. ويشير الحكم إلى أن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب هي جرائم تمس الضمير العالمي ويجب معاقبة مرتكبيها بشكل صارم.

وفي الختام، يعد الحكم التاريخي الصادر في هولندا ضد عضو ميليشيا لواء القدس خطوة مهمة في سياق تحقيق العدالة للشعب السوري. ويؤكد هذا الحكم على أهمية النظام القضائي في مكافحة الإفلات من العقاب وضمان عدم وجود ملاذ آمن للمجرمين، مهما كانت جنسيتهم أو المكان الذي ارتكبوا فيه جرائمهم.



ليندا عثمان، محامية و ناشطة حقوق الإنسان.

٣٣ مشاهدة

Comments


bottom of page