top of page

العدالة إذ ترقد داخل أكياس بلاستيكيّة بالية




راوية حرب، ناشطة مدنية من السويداء.





في رثاء العدالة؛

المكان؛ فرع فلسطين (الفرع 235)، لا قدرة لي على تذكّر الوقت الآن تحت وطأة الموقف بكل أركانه. مواجهة حتميّة لا بدّ منها، فنحن أناس محاصرون بالهواء الذي نستنشقه، زفراته تخنق كل من يسعى منّا للنجاة. أنا هناك، أقف أمام مبنى الفرع الضّخم، كأنه جبل من ركام أسود متفحم ينهار فوق صدري وأكتافي، المكان الذي حوّله الموت إلى مقبرة بلا شواهد، مقبرة جماعيّة يستدعى السّوريين/ات إليه بقصاصة ورق مكتوبة على عجل بالحبر الأزرق لا يستطيع فك طلاسمها إلا من اعتاد عليها. خوفٌ من مجهول يقتحم كل خلايا جسدي، تستنفر كل أعضائي وينبض قلبي بارتباك كأنه يفر منّ صدري كي لا يدخل الفرع، تستعيد ذاكرتي مشاهد موت واعتداء وعنف كنت قد شاهدتها طيلة سنوات مضت على شاشات التلفاز ومنصّات الأنترنيت، أنا الآن هنا، هل أكون إحدى هذه المشاهد القادمة، قصّة طرأت على هذه الأرض وغادرت من هذا المبنى؟


صناعة الأمن في سوريا، هي صناعة الخوف بالضّرورة، أجهزة تصنع الرّعب في ذاكرة السّوريين الجمعيّة. مشاهد وصور ومرويّات وإشاعات وقصص متناقلة عن أجهزة أمنيّة في سوريا تخالها قادمةً من غياهب القرون الوسطى، يدب فينا ذلك الرّعب عندما نقف أمام عنصر الامن، أو حينما نشاهد سيّارة عسكريّة تمرّ صدفةً في الشّارع. حال أن تُستدعى من أحد هذه الأجهزة، تصبح الساعات الفاصلة عن المراجعة وقت مستقطع بين الحياة والموت لترتب مرقدك الأخير، هناك في قبوٍ معتم داخل فرع أمني.


طوابير المعتقلين/ات تنتظرك داخل المبنى، حكاياتهم وآلامهم وأصواتهم/ن التي تصرخ من الأقبية تسمعها وأنت تجلس في زاوية إحدى ممراتها تنتظر دورك. بين هذه الأصوات في بعض الأحيان تسمع صدى صوتك قادم من الأقبية وكأن روحك نزحت نحو قبو التعذيب، ربما تعتقد أن ثمّة كدمات على جسدك من الضرب الذي تلقّيته أثناء التحقيق، حتّى قبل أن ينادى عليك. أنت منذ الآن، ضحيّة حظّها إن نجت. قبل أن تغادر، ترغب أن تتحسّس الجدران من حولك، المقاعد والكراسي القديمة، ثمة أناس مرّوا من هنا، خطواتهم ورائحتهم وأثرهم لا يزال في المكان، كانوا أشخاص يملكون أحلاماً ورغبة في حياة، قبل أن يدخلوا هذا المبنى، قبل ذلك بلحظات. تماماً مثلي، قبل دقائق، حينما دخلت المبنى، إلّا أنّني لا زلت أحلم بالنجاة، لم يقضِ عليّ الموت بعد. ما زلت أقاوم وأتّكئ على ذكريات الذين مرّوا من قبلي.


في غرفة الانتظار الأولى، يمكنني أن أشعر بأنفاس المذعورين من حولي، أصوات زفيرهم السّريع، همسات قلبهم، صوت أياديهم المرتجفة، لمسات أقدامهم وهي تخاف أن تضرب الأرض، أعينهم المربكة، وخوفهم المعتم الّذي يضيق المكان علينا. حولنا كل ذلك، بإضاءة خافتة، تعدمك التركيز، تنسى من أنت، وأين كنت قبل دقائق. كأن هذا المشهد هو الذي يمهّد لك نسيان الضّوء، كل خطوة قادمة هو سواد معتم. هنا يظهر الاستسلام التّام بوضوح في حركات كلّ الموتى أمثالي. الكلمات تبدو مفقودة، والرغبة في المقاومة تتلاشى. يُظهر المكان ندماً بارداً وركاماً من الأحلام المحطمة، حيث يخيم الظلام على كل زاوية، مما يترك الإنسانية هناك مكبلة ومكبوتة.


لا شيء يمكن نسيانه، إلا أن الذاكرة أيضاً غير عادلة فهي تخزن الأسوأ. أذكر جيدًا تلك اللحظة التي شهدت فيها الرجل المسن ذو الجسم الهزيل الذي أحاط به الزمن الصعب، يحمل أكياساً بلاستيكية بالية، تلك الحقائب البلاستيكية الرخيصة التي يحملها تبدو كأنها كل ما يملك، وهذا ما يعكسه احتضانه لها، كأنّ ثمّة أرواح داخلها، يخاف عليها أن تندثر، أو ربما يخاف عليها أن تنسجن، ألا ترى الضّوء مرة أخرى. تنسج هذه الأكياس قصصاً تروي الحقيقة المرّة لضحايا التعذيب، حيث يكون الصمت أحيانًا اللغة الوحيدة التي يستطيعون التحدث بها. كل لفة من هذه الأكياس تكون وكأنها صفحة جديدة من سجل الظلم، تحمل بين طياتها مأساة إنسانية. هذه الأكياس البلاستيكية، بالنسبة للضحايا، كانت مثواهم الأخير الذي يحمل بين طياته قصة كل واحد منهم.


كأن أمي كانت تشعر بذلك، تشعر أن ثمّة أمل يرقد داخل هذه الأكياس، ثمّة شيء يشعرها بالحرّية، بالراحة والأمان، والثّقة أن للحياة بقيّة، كأنها كانت تعي ذلك وأرسلت إليّ هذا الرجل المسنّ واكياسه البلاستيكيّة معه، كي أتذكّرها، أتذكر أمي، فأتذكّر أن ثمّة حياة لا بدّ العودة لها، أمي التي ملأت أعبابها أكياساً تماماً كما الرجل الذي صادفته في فرع فلسطين، أكياساً لتحمل بها هدايا وفواكه أو بطاطا أو خبزاً يابساً كي لا تعود فارغة اليدين، ولم تتخلَ يوماً عن أكياسها، حتى عندما استدعاها الجلاد لفرع فلسطين كي تستلم أخي المرحوم ، كان في أعبابها أكياس نايلون كعادتها يوم انتظرت العدالة ونالت الظلم.


ورغم أن وزن الكيس البلاستيكي لا يتجاوز الغرامات المعدودة إل أن أكياس البلاستيك تأتي إلى السجون بالأطنان لإخفاء الحقائق وفظائع ما يفعلونه؛ يتم لفّها حول جثث مئات الضحايا كقيود لا تنفك، تشد القلوب إلى أقصى حدودها. تتحول هذه الأكياس إلى شاهد صامت على فظائع التعذيب والإذلال، فتكشف بصمت عن جراح لا تحتمل.


في خضم الفوضى القاتلة التي تلف المكان، أثار انتباهي من يرتدي جلابية تقليدية، ذلك الثّوب التقليدي الذي يمكن من خلاله تحديد هويتك ومكانك وثقافتك وطبيعة عيشك، وما تملكه من مدلولات اجتماعيّة، تعكس الطبيعة البيئية الّتي نشأت فيها. في النقيض من ذلك، يمكن أن يعكس الكيس الذي يحمله وجسده المرتجف طبيعة المكان الذي نحن فيه، طبيعة الحياة التي نعيشها خارج هذا المبنى وخوفنا المستمرّ جيل وراء جيل من دخول هذا المكان. صناعة الرعب تبنى على مدى أجيال وتعيش معنا لأجيال.


كنت أتأمّله، أتمعن في وضعه الصعب، لم أستطع إلا أن أشعر بالاستياء والفضول أيضاً. فقد راودتني الكثير من الأسئلة، أهمّها: ماذا فعل رجل مسن لا يقوى على الحركة حتّى صار هنا؟، قاطع عنصر الأمن بصوت عالٍ سؤالي، هز الصمت المكان وأجفل قلوبنا جميعاً. نادى الرجل المسن! بدأ بالتّوجه إليه بخطواته الثّقيلة والمتعبة، وضع يده متكأ على الطاولة. سأله عنصر الأمن عن سبب تواجده في الفرع؟ أخذ يحكي بصوت هامس ومتقطع: "أتيت من ريف حلب إلى دمشق". حاول بكل ما أوتي من قوة استعادة كل ما حدث معه، ولكنه نسي وقال باختصار: "أعطوني هذه الورقة من الحاجز".


زاد فضولي أكثر، لماذا هذا الشخص هنا؟ رجل مسن من الواضح أنه لا يتذكر الكثير. صحته سيئة، قطع مسافة كبيرة من ريف حلب إلى دمشق مجبراً. ثم عاد الرجل وجلس أمامي مباشرة، وبدأ ينظر إليّ بنظرات شفقة واستعطاف. أعطينا أمراً بالتحرك إلى غرفة التحقيق، وكانت الصدفة تجمعنا. مشينا وأمامنا عنصر الأمن. حاول التواصل معي بصوته الخافت، لأنه كان ممنوعاً علينا التحدث، تركنا صوتنا في الخارج.

قال لي: "هي عمو، إنتي شو تهمتك؟". جاوبت: "ما بعرف". قال رداً لم يرغب أن أسمعه: "إيه ما أنا قضيت العمر هون ولهلق ما بعرف ليش". ثم خشن صوته وشد ظهره: "لا تخافي هلق شوي وبتطلعي، ما في شي بخوف، أنا معك". حاول تقديم الدعم لي بكل خطوة، حتى وصلنا غرفة التحقيق. دخل عنصر الأمن إلى الضابط ليقدم له ملفاتنا لبدء عملية التحقيق، وفي هذه الأثناء، كان يُكرر الرجل المسن علي: "لا تخافي، أنا معك، ما في شي بخوف، هلق شوي وبتروحي". ويؤكد على أنه بجانبي، وهو يسند جسده على الحائط.


خرج المحقق من الغرفة ونظر إليه، وجّه صوته بوحشيّة: "هييي، أنت شو عم تعمل هون؟" رفع يده. جاوب بارتباك: "أنا جاي معها يا سيدي". وهو ينظر إليّ بنظرة شخص خائف. من الصعب فهم ذلك، إلا أنني متأكدة أنه في تلك اللحظات شعر أنني أقوى منه رغم كل الظروف التي تحيط بي. كان يريد حماية نفسه من تكرار ما حدث، أو من الممكن أن تكون ذاكرته قد خذلته وتذكر ماذا يعني هذا المكان، وحاول الاحتماء بي. أخذوه من أمامي وأنا مصابة بالدهشة والعجز. الشخص الذي أصبح ضحية لم يشاهد طعم العدالة، بل عاش حياته مع حرمانٍ من عمره وحقوقه وصحته في أروقة المعتقل. لم يكن لديه فرصة لتذوق العدالة، فقد سلبت منه الحقوق الأساسية والكرامة الإنسانية.


الرجل المسن يسترق لحظة أخيرة لينظر إلى للمرة الأخيرة. كلّى ثقة أن الألم ليس هو ما يشغل تفكيره الآن. قصته لم تنتهِ بعد، ويبدو أنه يراني بداية جديدة، كما الكثيرون هنا. فلم يتغير شيء رغم كل التضحيات التي قدمها السوريون والسوريات من أجل الحصول على حياة كريمة.


نحن ها هنا،أنا وهذا الرجل، في هذا المكان البارد، لا نعلم تهمتنا، فقط نحن هنا بلا جريمة محددة، ولكن نعلم تمامًا أن الوجود في هذا المكان ليس إلا مقابل لطلب شيء بسيط، حياة كريمة. إذا في لحظة ثانية، لم تكن كافية مصادرة حياته سابقا، عادوا به مرة أخرى ليسلبوه آخر ما يملك، الأكياس البلاستيكية البالية. تموت العدالة أمامنا بشكل مؤلم، تحمل معها عدم اكتراث المجتمعات والأنظمة بحقوق الإنسان وقيم العدالة.


يبتلع الظلام الحقوق، وتتحول الآمال إلى ذكريات باهتة، حيث يكون الإنسان عرضة للتجاوزات والظلم دون حماية أو رحمة. في تلك اللحظة، يعلو صراخ العدالة في فراغ اللامبالاة، ويتدلى الحق على حافة الهاوية،أصبحت تلك الأكياس المتهالكة هي الشاهد الصامت ترثي موت العدالة.


راوية حرب، ناشطة مدنية من السويداء.


٧٢ مشاهدة

Comments


bottom of page