top of page

حين يسقط الجدار: تأملات في الحرية والخوف

  • adalaty
  • 15 سبتمبر 2025
  • 7 دقيقة قراءة


صوفيا زمرتا، مناضلة يسارية ثورية.



حزيران 2025


البوستر من تصميم رسامة الكاريكاتير أماني العلي.
البوستر من تصميم رسامة الكاريكاتير أماني العلي.


أجلس على شرفة المنزل في مساء صيفي هادئ، يخطر لي فجأة تساؤل: هل رأسي ظاهرة بما يكفي لتصيبه رصاصة؟ طائشة كانت أو مقصودة؟ قُتل كثيرون هكذا مؤخراً.. بلا سبب سوى أنهم كانوا في المكان الخطأ.


أتذكر ذلك الشاب الطيب الذي أعرفه جيداً، تداريه أمه برموش عينيها، تبعده عن كل ما يمكن أن يسبب له ضرراً،  لكنهم داهموا المنزل، فأخذوه وقتلوه بطلقة في الرأس.

كم من الناس قُتلوا وهم لا يعرفون معنى "الثورة" ولا يهتمون بالسياسة ولا يريدون من السلطات إلا أن تتركهم وشأنهم "يمشون الحيط الحيط" كما يقال. كنت أقول عند كل خبر أن موت هؤلاء الناس غير متوقع، أما موتي فبلى، متوقع أكثر .. أنا التي خضْتُ المعركة بوعي، أنا التي عرفْتُ الثمن وتوقّعْته كلّ يوم، لكنّني ما زلْتُ حيّة.. أنا الهدف المتحرك الذي لم يصدفْ أن أصابه الرصاص بعد!


تتردّد في ذهني كلمات من أغنية فرقة "نص تفاحة"، مستوحاة من تراث الجولان،  تقول:"سوريا الحب، الحلم، اللي ما له حدودِ"

أغنية أقرب لتكون جنائزية، كقلبي الذي أصبح بيتَ عزاء مفتوح، مسرحاً أعيدُ تمثيلَ المأساة فيه.جزء من العدالة المطلوبة يكمن في استعادة وعينا الجمعي الذي سُرق، العدالة هي أن نحب البلد حتى وهي حطام ، أن نحبّها بمعزل عن من يحكمها، أن نحبّها كما تحبّ الأم طفلَها المشوّه، وألّا يشعرَ أيّ منا باستحقاق يدفعه للقول لأي آخر: "مو عاجبك؟ انقلع!


"أنا امرأة سورية معارضة من سكان "الداخل"، وتحديداً مناطق سيطرة النظام سابقاً، لم أخف من شيء في حياتي بقدر خوفي من مخابرات الأسد، معتقلاته وطيرانه، وحواجز جيشه، لكنني كنت خائفة أثناء تقدّم "فصائل المعارضة" مع أنهم يُعرَّفون كحلفائي. ككل من في البلد، وعلى اختلاف زاوية رؤيتهم للأمور، كنت خائفة على المدنيين، على عائلتي وأحبائي، وبشكل انتقائي يبدو غريباً خفْتُ على الشباب المسلّحين من الطرفين، كنت حزينة على من ينزحون إلى المجهول ويواجهون الخوف من المجهول.


قبل أربعة أيام من سقوط النظام كنت أتنقّل من مكان دراستي "حمص" إلى مسقط رأسي "سلمية" ومن ثمّ إلى مكان إقامة العائلة "مصياف" الذي يعتَبر نقطةَ تماس مع الساحل. أصواتُ الاشتباكات والمدفعيات لم تكن تهدأ. قلت وأنا مسلّمة بالحقيقة إنني سأتمنى لطفَ الله، لكنني لن أكونَ طماعة فأتمنى ألّا يصيبنا أيُّ ضرر.


تساءلت مراراً: "مع من سنُصنَّف؟ وهل يشفع لأيّ منّا موقفه ؟ هل سأصبح جثة تُحصى في تقرير؟ ما هي معايير النجاة؟ هل سأضطرّ أن أشهد تشفّي الفصائل بالعلوية لأنهم يظنون أنهم جميعاً شبيحة؟ أعرف أناساً من جميع الطوائف ممن قطعوا الأمل بسقوط  نظام الاسد  فبدأوا بإيجاد آليات تأقلم وتعايش... أخاف على الجميع وأريد لو أخبّئهم في قلبي، لكنّ القلب هنا صار مقبرةً جماعية، لأناس لا يرغبون حتى أن يُدفنوا مع بعضهم. 


اعترفت لصديق عزيز بعد مضي حوالي عامين على الزلزال بأنني أشتاق لتلك الأيام، التي كان يصرّ بدوره فيها على قول إننا "ملكنا الشارع، الشارع عاد للناس”. كان شوقاً أنانياً لأسباب نبيلة ربما. كنت عطشى لأي جديد يعيد الناس، يعيد توحيد العقل الجمعي كان يرضيني؛ مصيبة واحدة كبيرة كفاية ومشتركة، تكفي لتلمّنا حولها على ألم أو أمل مشترك، أو الاثنين معاً.


الخامس من ديسمبر/ كانون الأول ٢٠٢٤

حسابات ومشاعر متناقضة وجنونية... بعد مرور الفصائل من حلب متجهين إلى حماه، خيّم الخوف، تخيلتُ أن تطول، فيحاصر الناس ويبدأ الطيران المشترك بقصف كل منطقة تتحرر. رن هاتفي، كان الصوت من مدينتي الأم "سلمية" يقول: "الناس يزغردون في الشوارع” بكيتُ... بكينا، لم نكن نُصدّق، وكأننا في حلم... بين أننا ربما سنشهد سقوط النظام، سنموت قبلها، أو سنعيش لنجد أنفسنا بين مطرقة النظام وسندان الفصائل، لكن مدينتي بشكل أو بآخر... تحررت.


أثق بـ "الشباب" تارةَ وأخاف منهم تارة أخرى. يتملّكني الرعب من قذائف النظام الذي تحقق في بعض المناطق، لم أعتد يوماً على صور السفاحين (الأب والإبن) في كل مكان...


أتساءل: ماذا سيحل بالدستور... بالعملة، بوجوههم؟ هل سأمشي وانا أبصق سراً على وجه جديد؟ هل سيصير نظام الحكم إسلامياً؟ هل ستكون حريتنا الوحيدة هي شتم النظام السابق والماضي بينما يُنهب المستقبل؟ كيف سيتحول الصراع؟ كيف سنتمكّن من التفاوض معهم؟

 يحاول دماغي التهدئة من روعي: "سنحل أي شيء... سنخلق لغة لنتواصل ولو تطلّب الأمر عُمراً"


فجر الثامن من ديسمبر/ كانون الأول ٢٠٢٤

 لحظة سقوط النظام من داخل البلد لا تقدر بأي ثمن، ولا تقاس بزمن، لا سيما بعد عيش حياة كاملة تحت وطأة "الحيطان لها آذان”. كنا معزولين عن العالم لأيام، بشبكة اتصالات متقطعة، تيار كهربائي يأتي بمعدل ربع إلى نصف ساعة كل ست ساعات، تُوّجت بزغاريد في الشارع كسرت جدران العالم الذي أعرف، جعلتني أفقد عقلي، أخرج إلى شرفة المنزل وأصرخ: "الله أكبر” أرتدي أي شيء وأركض في الشارع نحو مصدر الصوت، "سقط... سقط" قالوا لي! عدت لأخبر أمي وأتصل بأبي *الذي نزل سابقاً من المنزل ليجلس مع شباب الفصائل، لكن بشار هرب من دمشق قبل أن يدخلوا مدينتي الثانية "مصياف"، كان صوته يضحك، أخبره أننا سننزل، أغني لابنة عمي في المهجر: "سوريا لينا وماهي لبيت الأسد" ونحن في طريقنا إلى المكان الذي سيتجمع فيه الناس تلقائياً.


قلبي يخفق، أفتح مكالمة فيديو مع أختي والأصدقاء في المهجر أيضاً حتّى لا أفوت عليهم أن يشهدوا اللحظة، أريهم كيف يتكسّر رأس السفاح حافظ تحت أقدام الأهالي، الشبيحة ما زالوا موجودين بيننا لكن الناس يتصرفون كأنهم تبخّروا، اختفوا بلمسة سحرية، شهادات عدة تقاطعت من الأصدقاء في مختلف أنحاء البلاد تقول أن الهواء أصبح خفيفاً، رائحة الشوارع مختلفة... الناس يضحكون لبعضهم ويهنئون بعضهم يحتضنون حتى من لا يعرفون خير المعرفة لكن يعرفون توجهاته السياسية فيكون سبباً كافياً ليعطوهم حضناً ويبكون سوية.


طوال حياتي تخيلت هذه اللحظة وكيف يمكن أن تكون؟! أكاد أتمنى إعادتها لما تبقى من عمري، أن أركض وأمشي وأزغرد وأبكي وأهتف وأغني وأنشر مقطع فيديو واضحاً لا لبس فيه على صفحتي الشخصية من هنا... من مناطق سيطرة المخلوع، دون خوف ولا حسابات. بعد ساعات من المشي في شوارع المدينة، وفي طريق العودة إلى البيت مررْتُ بجانب ساحة شعبة الحزب _نفس الساحة التي وقفت فيها قبل تسع سنوات بعدما أُجبرت على ترك حقيبتي في المدرسة لحضور عرس التطبيل، كانوا يومها يدبكون على تلوّث سمعي وأخلاقي وفكري خالص، لم أستطع الهرب تلك المرة كما كنت أفعل وأنا أصغر، ربما كنت كبيرة كفاية حينها لأقدّر الثمن المحتمل، فأخاف، فما كان مني إلا أن وقفت في آخر نقطة من أسوار هذا السجن وأدرت ظهري للجموع. كان موقفاً واضحاً حينها لكنه لم يرضيني... ووعدت نفسي أنها لن تتكرر إلا على جثتي. لكن اليوم، سقط النظام ونبت لي جناحان. أقول لمن أراهم من الشبيحة "مبروك" مع ابتسامة المنتصرة، يمكنني الجري والصراخ، لا أخاف من لفت الأنظار، مجاهرةً بأفكاري ولا أخاف أن يقرأها أحد.


ما إن وصلت للمنزل حتى عدت للمنطق والواقع وبدأت أدرك المعطيات، أفرز الحقائق وأناقش التناقضات، لم أستطع كبح شعور التشفي من الشبيحة، لكن أول ما خطر لي وأكثر على حد علمي هو الرغبة بطمأنة العلويين، إدراكي أن هناك أناس خائفون حتى في ذروة فرحي عكّر صفوي، وددتُ صراحةً لو أمكنني فصلُ نفسي عن الواقع،  تمنّيت لو أمتلك سلطةً لأقول للناس إنّ عصر الخوف انتهى، لكن كل ما أملكه بالفعل كان رغبة مفاجئة بالجلوس مع الموالين الذين لم تتلطّخ أيديهم بدمائنا، لكنهم شربوا من كأس الخوف حدّ الثمالة.


يجب أن نكسر حلقة الخوف والكذب... أن ننبش جراحنا المدفونة ونحاول فهم بعضنا بعضاً، أن نعيش الحرية التي حُرِمنا منها لعقود. لأول مرة، أستطيع الحديث معهم دون خوف من تقرير أمني، ودون أن يراني الآخرون كمصدر تهديد—لظنهم أن الأدوار قد قُلبت

لكن الفرصة ضاعت قبل أن نبدأ. هرب الطاغية، تاركاً خلفه فخ دبّره بنفسه: صراع طائفي أُشعل على مدى عقود تحوّل إلى نبوءة ذاتية التحقق. ، وكانت أمامنا فرصة ذهبية لنثبت العكس. لكن للأسف وقعت الكارثة .


أعترف بالانتفاضة السورية كما هي، بأكملها، بأخطائها وعثراتها قبل حسناتها وإنجازاتها... حفظت أناشيد "حليقي الشوارب" مبكراً، لا أراها مشبوهة، حتّى تلك التي كانت تخصّ السنّة والسلفية وتحرّضهم ضد السلطة المجرمة. لا أدعي أنني مثلهم، لا أمتلك نفس الايديولوجيا لكنني أعرف لماذا اشتعلوا غضباً، أفهمهم... أفهم السياق فيُبكيني كما تبكيني الأغاني الثورية التي تشبهني و أتمنى لو كانت صفوف الشارع منظمة كفاية فيتمكن من مواجهة الأسد والثورة المضادّة معاً، ويثبّت نفسه ومطالبه، لكنه لم يكن، تمكّن النظام من جرّ البلاد إلى اقتتال طائفي، ونجح في عزلنا عن بعضنا.


لكن وخلال السنوات التي تلت حديد ونار بشار، بعد هزيمة الشارع أصبح بعض "رفاق الدرب" قساة كالسجّانين، لقد حكموا علينا: إما أن نموت شهداء، أو نهرب لاجئين. وكل ما عدا ذلك "خيانة"... لم يكن مفهوماً بالنسبة لهم العجز عن الخروج من الجحيم أو اختيار البقاء فيه لنكافح بطريقتنا.


وعرف كثر من سكان الداخل أنهم يعيشون في البرزخ، بين الحياة والموت، على هامش التاريخ مع أنهم في صلبه، لن يكتب عنهم أحد ولن يهتم أحد بسرديتهم ..

بعد 8/12/2024 كان بإمكاني بوضوح فهم دوافع من يدعي أنه ينتقم، لأنني أعرف لماذا يمكن أن نشهد جرائم تصفية حسابات، لكن القتل على الهوية لم يكن جزءاً من معادلة "طبيعي الحدوث" أو "المتوقع" وأرى تطبيع جرائم من هذا النوع هو ترخيص بدمنا جميعاً.

أصبح الأمر جلياً، عندما أُعيد بعض شبيحة الأسد ذوي النفوذ إلى الواجهة، عندما تمشوا في شوارعنا مع مرافقة "أمن سوريا الجديدة" ولم يُغضِب هذا المشهد ذلك الذي يبرر القتل الطائفي


عدت إلى قوقعتي، محاطة بقطيع من المجانين يلهون ويضحكون من حولي، أضحك معهم كالممسوسة وأعود بعد فترة وجيزة إلى مغالبة دموعي، والتظاهر بالصلابة والاعتياد.

أعرف جيداً كيف تولد الديكتاتوريات، لذلك أحقد على كل الشبيحة.

أتذكر كيف كانوا يخرسوننا لأن الثوار هم من خربوا البلد. ثوار الأمس يخرسوننا اليوم لأنهم يرون أيضاً أننا سنخرب البلد. عبث وجنون، أحمّل الأسدين (الأب والابن) مأساتنا كلها، وألعنهم كل صباح، لكن اللعنة الأكبر هي قدرتنا على تبرئة أنفسنا بينما هناك من يريد التطبيع مع جرائمهم، و إن لم نستفيق , سنُحشر في كتب التاريخ كمجانين أحرقوا أنفسهم بأيديهم بعدما أسقطوا أعتى الديكتاتوريات…


نُجرّم كل من يرتدي الزي الأمني بعد 18/3/2011 ثم نُصاب بالذُعر حين نصبح نسخة طبق الأصل عنهم.. فنرفض رؤية التشابه وكأننا نرى مأساتنا في مرآة مشوهة، مصرّين أنها تعكس وجه العدو فقط.


أنا التي وقفت في المنتصف، أحمل غصّات الجميع وأرفض أن أكون جلّادة حتى للجلادين، أضع نفسي مكان الضحية والجلاد والخائف والمغفل، وأشهد تلوّث العقل الجمعي كما لو أن أحدهم يسمم بئر القرية سراً.

 

أتدرّب كل يوم على لعب دوره المتفهمة مع من يرون سوريا جحيماً لا أمل منه، ومع من يُغمضون أعينهم عن دمارها، أو يتظاهرون بأنها عامرةٌ اليوم .


عادةً أختم كلماتي بعنفوانٍ أحمله في صدري منذ كنت طفلة لكنّي اليوم أختمها بقلب مهشّم وخاطر مكسور بما يكفي ربما لأخطو خارج هذا البرزخ، إلى حياةٍ جديدة، أو إلى موتٍ أخير .


مع ذلك، لن أفقد الأمل. 

لأنها سوريا العظيمة، وليست سوريا أحد .

ولأنها، ستبقى

"الحب، الحلم اللي ما اله حدود"



صوفيا زمرتا، مناضلة يسارية ثورية.




 
 

المقالات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي الكاتبة فقط ولا يتبناها المركز أو القائمين على العمل

©Adalaty 2023 

bottom of page