top of page

لئلّا ينقطع الحبل السري، عشر صور وذاكرة وطن





منى كتّوب، ناشطة نسوية.





الوطن؛ لطالما فكرت ملياً في معنى هذه الكلمة، هل الوطن هو المكان الذي ولدنا وترعرعنا فيه، نسكن فيه ونحمل جنسيته فحسب، أم أنه المكان الذي نشعر بالانتماء إليه والأمان فيه؟

 

وبالنسبة لنا نحن السوريين والسوريات ممن هُجِّرنا من أوطاننا، هل ستبقى سوريا وطننا الأوحد، أم أنّ البلدان التي لجأنا إليها ستصبح لنا وطنًا جديداً؟ وهل يمكن للمرء أن ينتمي أساساً لأوطان متعددة في آن معاً، بلده الأم والبلد الذي لجأ إليه، أم أنّ عليه الانسلاخ عن أحدهما لينتمي إلى الآخر؟ هل يمكن أن نشعر بالانتماء لهذه البلدان الجديدة، سواءً احتضنتنا لتشعرنا بأننا جزء فاعل ومؤثّر في مجتمعاتها، أم أنها لا تنفكّ تذكّرنا بأننا مرغمون على البقاء فيها لانعدام الخيارات أمامنا، وبأننا مهدّدون في كل لحظة باحتمال ألّا نجد على هذه الكرة الأرضية - رغم اتّساعها - بقعة صغيرة يمكنها أن تحمل أقدامنا. 


أعتقد أنّ الإجابة على التساؤلات السابقة تختلف، وتتوقّف على عدّة عوامل، منها الشخص اللاجئ/ة وتجربته/ا الشخصية من جهة، والبلد المضيف من حيث تعامله مع اللاجئين واللاجئات من جهة أخرى. لكن ما لفت نظري أن غالبيتنا كسوريين وسوريات، وفي جميع دول الشتات، نحاول أن نتمسّك بإدراك ووعي تامَّين أحياناً، ودون وعي أحيانًا أخرى، بما يبقينا على صلة بوطننا الأم سوريا.


كنت في تركيا أودّع صديقاتي لأسافر إلى كندا، حيث أقيم حالياً، حين أخبرتني إحدى الصديقات أنها ترفض مغادرة مدينة غازي عنتاب (مدينة تقع جنوب تركيا،  رغم بعض الفرص التي أتيحت لها سابقاً لمغادرة تركيا، لشعورها بأنها على مسافة قريبة من مدينتها حلب، حسب تعبيرها. قد يبدو قرب المسافة سبباً منطقياً لو أنها قادرة على زيارة مدينتها بين الحين والآخر، لكننا كسوريين وسوريات ندرك تماماً أن أيّاً من شروط العودة الآمنة والطوعية لم يتحقّق بعد، على خلاف ما تنادي به بعض الدول المضيفة، فبماذا يفيدنا قرب المسافات! لربما أشعرَ قربُ المسافة بين المدينتين صديقتي بأنها قادرة على استنشاق نسمة هواءٍ تحملها رياحٌ خفيفة قادمة من مدينتها، أو أن تهطل قطرات من المطر من غيمة زارت قبل برهة من الزمن سماء حلب، أو أنّ تواجدَ ما يقارب نصف مليون سوري/ة في مدينة غازي عنتاب مكَّن السوريين والسوريات من خلق مجتمع خاصّ بهم/ن يشبه سوريا إلى حدّ بعيد.


في دول الاغتراب نخاف أن تضيع هذه الصلة بأوطاننا مع مرور السنين، فلا ندري حقيقة مشاعرنا عندما يسهب أطفالنا الذين غادروا سوريا صغاراً أو ولدوا خارجها أثناء حديثهم بلغة جديدة تعلّموها في المدرسة؛ أنفرح لقدرتهم على الاندماج بسلاسة مع المجتمعات الجديدة، والتي تفوق قدرتنا نحن الجيل الأكبر بدرجات؟ أم نحزن لضياع لغتنا العربية؟ وهنا لا نكتفي بمحاولاتنا العديدة لتعليم أطفالنا لغتنا الأم، بل نحاول أن نشرح لهم معاني أمثالنا الشعبية ومصطلحاتنا العامّية، نردّد على مسامعهم أغانينا، أسماء أكلاتنا، نذكّرهم مراراً وتكراراً بعاداتنا في شهر رمضان والأعياد والأعراس والمآتم. حتى إنني لاحظت أنّ الحال وصل ببعض الأسر السورية إلى حدّ التطرف بالتمسك بمعتقداتنا وعاداتنا، فحتى تلك التقاليد والعادات التي لم نكن نمارسها في سوريا، ربما لانشغالاتنا في خضم الحياة، أو لإدراكنا بأنها عادات بالية علينا التخلص منها، أجدهم يحيونها في دول الاغتراب ويحاولون جاهدين نقلها لأولادهم.


لكن مهما حاولنا التشبّث بذاكرتنا ونقلها لأطفالنا وأحفادنا، فهل سننجح بأن تكون ذات أثر في نفوسهم كما هي بالنسبة لنا؟ أم أنها ستكون عبئاً إضافياً على حياتهم، وهل سيحملون مسؤولية تناقلها عبر الأجيال؟ عندما ذكرتْ إحدى الصديقات حرصها على اقتناء نبتة العطرة عند انتقالها للعيش في تركيا، لأنّها تذكّرها بمنزلها في سوريا، حملتني الذاكرة أنا أيضاً لشرفة منزلنا في مدينة دوما، كنت أقطف أوراق العطرة لنضعها في إبريق الشاي أو في أكلة الكبة فتضيفَ تلك النكهة المميزة. لكن ماذا تعني هذه النبتة لأطفالنا وهم لم يعرفوا طعمها في أي من وجبات البرغر والهوت دوغ والبيتزا؟ ماذا تعني لأولادنا شجرة الياسمين؟ فرائحتها لا تذكرهم بأزقة دمشق كما تفعل بنا، وهم لم يصنعوا طوقاً ولا إكليلاً من الياسمين كما فعلنا نحن عندما كنا صغاراً نلعب في بيوت جداتنا. ولم يترافق صحن الياسمين ولا صوت فيروز مع فنجان قهوتهم الصباحي، هم الذين اعتادوا القهوة سريعة التحضير.  

 

عندما أتحدث عن محاولاتنا للحفاظ على ذاكرة الوطن ونقلها، أتذكر أننا جميعاً كبشر نحاول أن نقتني مذكراتٍ وصوراً وتحفاً من جميع محطات حياتنا، من الأماكن والمدن التي زرناها للسياحة، نحتفظ بها على رفوف وفي زوايا ودروج بيوتنا، نسعد حين نتحدّث عنها لصديقاتنا وأصدقائنا. لكن الحال يختلف في حالتنا كسوريين وسوريات غادرنا وطننا قسراً، ولا ندري إن كنا سندرك اليوم الذي سنتمكن فيه من العودة إلى ذاك الوطن، فنحاول التشبث بذاكرتنا الفردية لأنها ستشكل الذاكرة الجماعية لنا، نخشى عليها من الضياع فنحاول أن نورث للأجيال القادمة ما استطعنا أن نحمله معنا في خواطرنا، وكأن هذه الذاكرة هي الحبل السري الذي يربطنا بوطننا.


حين أخبرتني إحدى الصديقات أنها حملت حفنة من التراب معها قبل أن تركب الباص الأخضر عندما هجرت قسرياً من مدينتها، استرجعت القصص التي سمعتها من الجدات، ومن الأفلام والمسلسلات، عن احتفاظ الفلسطينيين والفلسطينيات بمفاتيح بيوتهم/ن التي طردوا منها سنة 1948، كنت أتعجب: ماذا يعني مفتاح لبيت قديم احتله صهيوني منذ سنوات طويلة؟ لم أكن أدرك حينها معنى "نفيت واستوطن الأغراب في بلدي... ودمروا كل أشيائي الحبيباتِ"، لكنني اليوم أعي تماماً قيمة أن نحمل حفنة تراب من أوطاننا، كما حمل الفلسطينيون/ات من قبلنا مفاتيح بيوتهم/ن.


اليوم لا تملك الأشياء التي تمكّنا من حملها معنا من بيوتنا القيمة ذاتها عندما كنا داخل وطننا أو عندما كنا نغادره ونشعر أنه سيحتضننا في أي وقت نقرر العودة إليه.

أتذكر عندما كنت في مدينة غازي عنتاب التركية وحدثت هزة أرضية بتاريخ 24 كانون الثاني/ يناير 2020، قرّرنا أن نغادر المبنى لنطمئن إلى عدم حدوث هزات ارتدادية، ذكّرتُ أهلي باصطحاب الأوراق الثبوتية وأي مبالغ مالية، هرعت بدوري إلى غرفة نومي لأحمل جواز سفري السوري والإقامة التركية وعشر صور. تلك الصور أحملها معي منذ أواخر عام 1999 عندما غادرت سوريا لأول مرة، ونقلتها معي بين البلدان الثلاثة التي أقمت فيها طيلة هذه السنوات.

لا أذكر لماذا اخترت حينها هذه الصور تحديداً من ضمن آلاف الصور التي تصطف في مكتبة منزلنا في مدينة دوما، تلك المكتبة التي تضم صور والدي ووالدتي عندما كانا صغارًا وفي مرحلة الشباب، صور أعياد ميلادنا، رحلاتنا المدرسية والعائلية، أعراسنا، وصور أولادنا. توجد في المكتبة أيضاً شهادات التقدير التي حصلنا عليها أنا وإخوتي خلال دراستنا، و شهاداتنا الدراسية، وآلاف الكتب والروايات. لكل صورة ولكل كتاب في تلك المكتبة حكاية تُروى.كانت لهذه الصور العشر التي حملتها معي مكانة في قلبي منذ أن فارقت سوريا، كنت أحفظها سابقاً مع باقي الصور، لكنني منذ اليوم الذي علمت فيه أن عبور الطريق إلى منزلي في دوما أصبح شبه محال وأنا أحتفظ بها مع أوراقي الثبوتية.


زرت سوريا عدة مرات قبل قيام الثورة، لو كنت أعلم حينها أنني لن أكون قادرة على العودة يوماً، لحملت معي المزيد من الصور، ومع ذلك أعتبر نفسي اليوم محظوظة لامتلاكي عشر صور من ذاكرة الطفولة والشباب، في حين اضطر بعض الأصدقاء والصديقات إلى التخلي عن كل ما تمكنوا من حمله من ذكريات العمر خلال رحلتهم/ن من سوريا إلى بلاد اللجوء. عندما نذكر بيتنا تكون المكتبة بكل ما فيها من روايات وصور أول وأكثر ما يتردد ذكره على لسان أمي، وتقول إن والدي، المعروف بتنظيمه، قضى أيامًا وهو يعيد ترتيب جميع هذه الصور حسب تسلسل تواريخها خلال أيام الحصار قبل أن يغادروا دوما. توفّي والدي منذ ثلاث سنوات، لكني أسأل نفسي: ترى ما الذي دفعه لترتيب تلك الصور، هل كان الأمل بأنه قد يعود يوماً أو يعود أحد من أفراد الأسرة للمنزل، فلتبقَ محفوظة مرتبة حتى ذلك الحين؟ أم أنه كان يشعر أن لا لقاء آخر معها، فأراد أن يسلم الأمانة بعناية؟ أتساءل اليوم: هل استُخدمت تلك الصور لغرض التدفئة أو الطبخ في أيام الحصار الخانق على الغوطة؟ ترى هل دفع الفضول أحدهم لتأمّلها والتعرف من خلالها على أفراد أسرتنا وتفاصيل حياتنا؟ هل بذل جهداً لتخمين مراحلنا العمرية المختلفة في هذه الصور؟ وهل نجح في الربط بين صورة تلك الأم التي تحمل طفلتها بين يديها وبين صورتها وهي صغيرة تجلس على أرجوحة الشرفة، أم اكتفى بإتلاف جميع هذه الصور دون أن يعيرها اي انتباه؟ أم أنه كان أميناً على حياتنا وذكرياتنا فاحتفظ بها علَّهُ يستطيع يوماً إيصال الأمانة لأصحابها؟  


حين نتحدث عن أهمية الحفاظ على ذاكرتنا؛ أتذكّر قصص ما قبل النوم التي روتها لنا أمهاتنا وجداتنا عندما كنا صغاراً، وقدرتهن على السرد وذكر أدق التفاصيل، مع الحفاظ بشكل عفوي على العناصر الرئيسية للموضوع من مقدمة وعرض وخاتمة، غير متناسيات عاملَيّ  التشويق والإثارة في قصصهن. كنت أجدهن قاصّات محترفات، واليوم يقع علينا عاتق الحفاظ على ذاكرتنا ونقلها للأجيال القادمة من وجهة نظرنا نحن النساء السوريات، فعادة ما يمتلك الرجال في مجتمعاتنا الذكورية ميزات تسهم في امتلاكهم الحق في رواية وتسجيل التاريخ، فتحفظ الذاكرة الجمعية للشعوب من وجهة نظرهم وتضيع التفاصيل والتحديات التي مرت بها النساء. وما علينا إلا أن نسعى بكل الوسائل والأدوات المتاحة لنا لإتاحة الفرصة ليصل صوت جميع النساء السوريات، دون استثناء. وهنا أجد أن العديد من المنظمات والمؤسسات النسائية والنسوية السورية تعي تماماً أهمية تشجيع النساء على الكتابة ورواية قصصهن وسماع ونقل أصواتهن من خلال مشاريعها وبرامجها.


يُذكر أننا عندما نشعر بالإجهاد والإرهاق الشديدين، يؤثر هذا الشعور سلبًا على قدرتنا على استرجاع الذكريات، ونحن اليوم منهكون/ات أكثر من أي وقت مضى، ومن ناحية أخرى فإن استرجاع الذكريات المؤلمة التي مررنا بها خلال السنوات الماضية ينعكس سلباً على صحتنا النفسية، فيحاول بعضنا تجنب استرجاع تلك الذكريات. لكن علينا ألا ننسى أن الطغاة تمكّنوا من سلبنا أوطاننا وبيوتنا، لكنّنا لن نسمح لهم بسلب ذاكرتنا، سنستمر في سرد قصصنا و حكاياتنا، سنذكر ما تعرضنا له من حصار وتعذيب وقصف وتهجير حتى نصل للعدالة التي حلمنا بها يوماً، وإن لم ندرك نحن ذلك اليوم، فسيدركه أولادنا وأحفادنا لا محال.


لكننا لن نكتفي بذلك، بل سنروي أيضاً قصص الحب والجمال التي عشناها في مدننا، ليعرف العالم أجمع أننا شعب يعشق الحياة ويستحقّها.



منى كتّوب، ناشطة نسوية.


١٥١ مشاهدة

Comments


bottom of page